إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

405

الإعتصام

من الجهة التي ذكرنا اما الجهة الأخرى فإن عدم ذكرهم في هذه الأمة وإدخالهم فيها أوضح أن هذا الاختلاف لم يلحقهم بالقسم الأول وإلا فلو كان ملحقا لهم به لم يقع في الأمة اختلاف ولا فرقة ولا أخبر الشارع به ولا نبه السلف الصالح عليه فكما أنه لو فرضنا اتفاق الخلق على الملة بعد كانوا مفارقين لها لم نقل اتفقت الأمة بعد اختلافها كذلك لا نقول اختلفت الأمة وافترقت الأمة بعد اتفاقها أو خرج بعضهم إلى الكفر بعد الإسلام وإنما يقال افترقت وتفترق الأمة إذا كان الافتراق واقعا فيها مع بقاء اسم الأمة هذا هو الحقيقة ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخوارج يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم قال وتتمارى في الفوق - وفي رواية - فينظر الرامي إلى سهمه إلى نصله إلى رصافي فيتمارى في الفوقة هل علق بها من الدم شيء والتماري في الفوق فيه هل فيه فرث ودم أم لا شك بحسب التمثيل هل خرجوا من الإسلام حقيقة وهذه العبارة لا يعبر بها عمن خرج من الإسلام بالارتداد مثلا وقد اختلفت الأمة في تكفير هؤلاء الفرق أصحاب البدع العظمة ولكن الذي يقوى في النظر وبحسب الأثر عدم القطع بتكفيرهم والدليل عليه عمل السلف الصالح فيهم ألا ترى إلى صنع علي رضي الله عنه في الخوارج وكونه عاملهم في قتالهم معاملة أهل الإسلام على مقتضى قول الله تعالى « وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما » الآية فإنه لما اجتمعت الحرورية وفارقت الجماعة لم يهيجهم على ولا قاتلهم ولو كانوا بخروجهم مرتدين لم يتركهم لقوله عليه الصلاة والسلام من بدل دينه فاقتلوه ولان أبا بكر رضي الله عنه خرج لقتال أهل الردة ولم يتركهم فدل ذلك على اختلاف ما بين المسألتين وأيضا فحين ظهر معبد الجهني وغيره من أهل القدر لم يكن من السلف الصالح لهم إلا الطرد والإبعاد والعداوة والهجران ولو كانوا خرجوا إلى كفر محض لأقاموا عليهم الحد المقام على المرتدين وعمر بن عبد العزيز أيضا لما خرج في زمانه الحرورية بالموصل أمر بالكف عنهم على ما أمر به علي رضي الله عنه ولم يعاملهم معاملة المرتدين ومن جهة المعنى إنا وإن قلنا إنهم متبعون الهوى ولما تشابه من الكتاب ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله فإنهم ليسوا بمتبعين للهوى بإطلاق ولا متبعين لما تشابه من الكتاب من كل وجه ولو فرضنا أنهم كذلك لكانوا كفارا إذ لا يتأتى ذلك من أحد